رسالة الرئيس الجمهورية بمناسبة إحياء اليوم العالمي لحرية الصحافة

(الجزائر، الاثنين 2 مايو 2016)

 

 

أيتها السيدات الفضليات،

أيها السادة الأفاضل،

أحسب أن اليوم العالمي لحرية الصحافة، المحتفى به سنويا، من العلامات الفارقة التي يجب التنويه بها، ووضعها في المدار الذي تستحقه، لما لقطاع الصحافة ومهنة الصحافة من أثر فعال في بناء المجتمعات وترقية الذوق، ونشر المعرفة وفتح آفاق استشرافية أمام الرأي العام.

لقد كانت الصحافة، والإعلام عموما، في طليعة من يرفع التحدي في بلادنا منذ بدء نضال الحركة الوطنية التي استطاعت فيها الصحف، على قلتها، أن تتصدى لمشاريع الإستلاب الإستعماري، والزيف السياسي، والطمس الثقافي، رغم الأساليب القمعية التي سلطت عليها كالمنع والمصادرة وملاحقة رجالاتها بالتصفية أو بالسجن والنفي.

لقد كانت صحافة ثورة التحرر رافدا قويا لكشف ظلم الإحتلال وجرائمه، واسماع صوت القضية الجزائرية العادلة في المحافل الدولية، ورفع معنويات الشعب الجزائري في مكافحته للإستعمار الغاشم، وإذاعة صوت العرب تهز مشاعره وتزيد في شعلة عزمه.

أطرد نضال الإعلام الوطني مواكبا لمسار بناء الجزائر المستقلة، ووضع أسس تنميتنا الوطنية طوال العقود لتكون بعد ذلك أسرة الإعلام في الصف الأول في الصمود من أجل بقاء الجزائر، ومن أجل تغليب نور الإسلام وعزة الوطن على همجية الإرهاب. وإنها لفرصة لنترحم مرة أخرى اليوم على أرواح شهداء الواجب الوطني من ضحايا الإرهاب من الإعلاميين والإعلاميات.

إن هذا النضال الوطني، وهذه التضحيات الجسام، التي تخللت مسيرة الإعلام الوطني في خضم معارك وانتصارات وآلام شعبها جعلها جديرة بالتقدير والإحترام والعرفان، وهذا ما سعينا للتعبير عنه من خلال تأسيس يوم وطني للصحافة، وكذا تأسيس جائزة وطنية لتكريم وتشريف ثلة من خيرة الإعلاميين سنويا.

 

أيتها السيدات الفضليات،

أيها السادة الأفاضل،

إن تقديرنا للإعلام وقناعتنا بأنه سلاح نبيل في خدمة مسار شعبنا على درب الحرية والديمقراطية جعلنا نحرص، في السنوات الفارطة، على تحيين وإثراء قوانين بلادنا المتعلقة بالإعلام في مختلف أشكاله.

إن هذا الإثراء جاء ليعزز تمسكنا بحرية التعبير وليكيفها كذلك مع التعددية السياسية التي أصبحت واقعا لا رجعة فيه في بلادنا، وليواكب هذا الإصلاح التشريعي مستوى تنوع، إن لم أقل التنوع الكبير الذي بلغته بلادنا في مجال الصحف، وكذا وسائل الإعلام السمعي البصري.

وفي نفس المنهاج، إننا حرصنا، من خلال تعديل الدستور مؤخرا، على تأكيد على حرمة الصحافي وتحصين حرية الإعلام دون أي قيد كان سوى إحترام ثوابت الأمة، وأيضا تأسيس حق الصحافي في الوصول وجوبا إلى مصدر المعلومة حرصا منا على حق المواطن في معرفة الحقائق.

ولا شك أن هذا القطاع سيزداد قوة بانطلاق سلطة الضبط السمعي البصري لتصبح أحد الروافد التي تدعم النشاط الإعلامي وفق الشروط والقواعد المهنية المطابقة للقانون.

كما أن إرساء آليات الضبط الذاتي، بالنسبة للصحافة المكتوبة، بتنصيب مجلس أخلاقيات المهنة وأدابها سيعزز جو الطمأنينة بين أهل هذه المهنة النبيلة ومحيطها، قصد الإرتقاء بالعلاقات بين أطياف المجتمع وفئاته وبين المؤسسات بما يوفر دينامية خلاقة يكون فيها الاحتكام بقانون عادل يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات وأخلاق يتعاقد عليها الجميع.

 

أيتها السيدات الفضليات،

أيها السادة الأفاضل،

وإنني لعلى يقين، بالنظر إلى درجة الوعي الوطني العالية، والحنكة المهنية لدى المتعاملين في القطاع من أنهم سيسهمون بأفكارهم وحرفيتهم في إيصال صورة الجزائر إلى الشعوب الأخرى، وفي تغذية المواطن الجزائري بمادة إعلامية نزيهة خاصة في عالم اليوم الذي يتميز بطغيان الأقوياء، وبتقزيم وتسفيه كل من لم يتجاوب مع آرائهم ومصالحهم، والمأساة التي تعيشها بعض الشعوب العربية والإسلامية منذ سنوات لأحسن دليل على هذا القول.

 

أيتها السيدات الفضليات،

أيها السادة الأفاضل،

إن الجزائر تواجه اليوم تحديات جديدة، تحديات القفزة النوعية التي يجب أن نستمر على دربها وعلى أصعدة عديدة، وتحديات أخرى تنجر عن أزمة متعددة الأشكال يمر بها عالم اليوم.

ففيما يتعلق بتحديات الإصلاح الوطني، سيقدم إعلام بلادنا خدمة جليلة لمجتمعنا بمساهمته في شرح ضرورة تعزيز دولة الحق والقانون، وفي الإقناع بأن إعادة الإعتبار للجهد والعمل، وكذا الجودة من حيث هي وسائل تتيح مواكبة الدول الصاعدة التي تستحق الجزائر أن تتبوأ مكانتها بينها بكل مشروعية، وفي هذا المجال بالذات، إن أزمة النفط في السوق العالمية لهي حافز يجب أن ترتكز عليه القوى الحية في بلادنا، وفي مقدمتها الإعلام، لكي نسير حثيثا على درب الإصلاح الوطني.

أما التحديات الناجمة عن عالم اليوم، فإنها تتطلب منا جميعا الوعي واليقظة بغية الحفاظ على أمن بلادنا، كما أن صراع الحضارات المزعوم اليوم يملي على طلائعنا، ومنها الإعلام، الجهد والمثابرة لإثبات نور الإسلام وسمو الحضارة الإسلامية فوق محاولات البعض لتشويه ديننا الحنيف، ديننا الداعي للسلم والتسامح والعلم والتقدم.

 

أيتها السيدات الفضليات،

أيها السادة الأفاضل،

إن هذا اليوم يدعونا إلى المزيد من التأمل في واقعنا وفي مستقبلنا للنهوض بالصحافة والإعلام اللذين أحلا بلادنا مقاما رفيعا بين البلدان الديمقراطية التي يؤدي فيها الإعلام والإتصال دور المحرر والمبصر والناقد الملهم للشعب في مواصلة مسعاه لبلوغ غاياته المنشودة.

ولا يسعني إلا أن أحيي نساء أسرة الإعلام الوطني ورجالها مثمنا عاليا تضحياتهم وشجاعتهم ووعيهم وما تحلوا به من فضائل المهنة، متمنيا للجميع المزيد من التألق والنجاح.