رسالة رئيس الجمهورية بمناسبة إحياء الذكرى الستين لليوم الوطني للطالب

(الجزائر، الأربعاء 18 مايو 2016)

 

 

سيداتي الفضليات،

سادتي الأفاضل،

 

إن هذا اليوم البارز من بين أيام الجزائر المجيدة لم يفقد و لن يفقد، بالرغم من مرور ستين عاما على حدوثه، إشراقته و رمزيته القوية قبل الاستقلال وبعده. إنه يشكل إحدى مآثر ثورتنا التحريرية المجيدة التي رسخت في ذاكرة الشعب الجزائري بأكمله كحدث مشهود هز أركان كيان الاحتلال.

 

و ما كان ذلك ليتأتى إلا بفضل انتفاضة جميع شرائح الشعب الجزائري الأبي يوم أول نوفمبر ليخوض غمار ثورة زادته مجدا على مجد و بقيت إلى يومنا هذا صفحة مشرقة في تاريخ كفاح الشعوب من أجل استقلالها، ثورة ازدادت إشعاعا وقوة بالتحاق الطليعة المثقفة من شعبنا بصفوفها.

 

و لئن كانت انتفاضة التلاميذ والطلبة يؤرخ لها بهذا اليوم الأغر، فإنها، في حقيقتها، كانت قضية تعتلج في قلوب جميع الشباب سواء أولئك الذين فجروا الثورة في غرة نوفمبر، أم أولئك التلاميذ و الطلبة الذين كانوا، و هم على مقاعد الدراسة، يتحرقون توثبا إلى المشاركة في منازلة المستعمرعلى غرار غيرهم من أبناء الجزائر، موقنين بأن أرواحهم ليست أفضل و لا أغلى من أرواح إخوتهم، و أن لا قيمة للعلم و التحصيل بلا حرية و لا سيادة و لا كرامة.

 

سيداتي الفضليات،

سادتي الأفاضل،

 

إذا كان لهذا الحدث فضل عظيم في مجريات تطور العمل المسلح و الدبلوماسي و السياسي في تلك الحقبة، فإنه بوأ الثورة مقاما رفيعا في المحافل الدولية، و كسبت به تعاطف كل أحرار العالم في ذلك الوقت، شعوبا و حكومات، و تأييدهم. إن فضل هذا اليوم يكمن في كونه أبان وعي الشباب و إرادته، و برهن بالدليل على أن الإنجازات العظيمة لا تقاس بالسن، و أنه كلما تماهى الوعي الصحيح بالقضايا العادلة الكبرى تحققت المعجزات.

 

إن انضمام ما كان يملكه الشعب الجزائري من طاقات فكرية و علمية إلى صفوف الثورة جدير بأن نعده المحطة التاريخية الثالثة للثورة التحريرية بعد إعلانها في أول نوفمبر 1954 و أحداث 20 غشت 1955، ذلك لأنه أعطى نفسا جديدا للثورة وسفه محاولات القوة الاستعمارية التي كانت تراهن على كسب النخبة الجزائرية المتعلمة لتجعل منها نموذجا يحمل بقية الجزائريين على تقبل الاندماج المعروض عليهم.

 

لقد كان للشباب الثائر من الإحساس بواجبه نحو الوطن ما بعثه على الإستعداد و للتضحية و الصبر و الصمود، و إلتحق بسرايا الجهاد ولم يأبه بفوارق القوة و باختلال التوازنات بين قوة عالمية لا يردعها رادع خلقي أو إنساني في استعمال ترسانة الإبادة الجماعية، و ممارسة سياسة الأرض المحروقة، و تزييف الحقائق على المستوى الإعلامي و بين الإيمان بعدالة القضية، وصحة المنهج والثقة في حكم التاريخ إذا توافق مع الإرادة الصحيحة و التصميم على الانتصار لهذا الحق دون النظر إلى ما يكلفه من تضحيات، و هي الرسالة التي تلقفها الشعب و اتخذها مبدأ في احتضانه لهذه الثورة معنويا و ماديا، فكابد في سبيلها فوق ما يحتمل الإنسان بشرف و إيمان، وهي الصخرة الصلبة التي تحطمت عليها غطرسة العدو و انهارت أمامها إرادة الشر و مخططات دهاقنة الإستعمار الذين توهموا أن الجزائر آلت إليهم لا رجعة.

 

و من نافلة القول، إن هبة التلاميذ و الطلبة صوب ساحات الوغى طعمت صفوف الثورة بكفاءات شابة في مختلف التخصصات، كان لها الأثر البالغ في استكمال شروط النصر المنشود بتجندهم، ذكورا و إناثا، أمد الطلبة الثورة بما كانت في حاجة إليه من الكفاءات التقنية في مجالات صيانة الأسلحة و صناعة القنابل، و الصحة و الدعاية و الإعلام و الإتصال و غير ذلك من المجالات.

 

كما سمحت للدولة الجزائرية المستقلة أن تستفيد من أولى دفوعات إطاراتها المتحصلين على العلم والمتشبعين بالروح الوطنية و التجربة الثورية، و هي العوامل التي ساهمت بقوة في المحطات الأولى لإعادة بناء الدولة و انطلاق التنمية في وسط تحديات عاتية كانت تواجهها الجزائر آنذاك.

 

و في هذا المقام، لا بد من التذكير بأن الإطارات الأولى لسلك الدبلوماسية الجزائرية كانوا من الطلبة الذين لبوا نداء الثورة و إلتحقوا بصفوفها.

 

بالفعل، إن هذا الرصيد المعنوي و الرمزي و هذه التجربة التي ترسخت في الوعي الجماعي لأمتنا هي صمام الأمان والثروة الحقيقية التي بدونها تعجز الأمم عن حماية قدرتها على صون وحدتها و مواصلة تنميتها و دفاعها عن حياضها وسيادتها.

 

و ليس أدل على ذلك من تمكن بلادنا من معالجة المأساة التي مرت بها خلال التسعينيات من القرن الماضي، بحكمة و صبر و شجاعة و هي الفضائل المستمدة من تلك القيم التي غرستها فينا الثورة التحريرية المباركة.

 

فبفضل الشعب انتصر السلم و الوئام و المصالحة على التقاتل و الأحقاد والبغضاء، و بنفس الإرادة و التصميم و الوعي سيغالب شعبنا كل التحديات، ببنائه دولة الحق والقانون على شروط موضوعية و أسس دستورية تكون فيها مؤسسات الشعب هي الحكم و المرجع الذي يقرر مستقبل الأمة.

 

سيداتي الفضليات،

سادتي الأفاضل،

 

لقد حرصت الجزائر المستقلة على وضع رهان اكتساب أبنائها و بناتها العلم و المعرفة في طليعة أهدافها، انتقاما لحرمان شعبنا من العلم أثناء حقبة الاستعمار الغاشم و حرصا على تسلح أجيالها الصاعدة بالعلم و المعرفة لكي يساهموا بكل جدارة في الجهاد الأكبر، جهاد البناء والتشييد.

 

أجل، إن أكبر انتصار صنعته الجزائر المستقلة تحقق بتكوين أبنائها و بناتها عبر العقود منذ الاستقلال، و أحسن دليل على ذلك كون الجزائر اليوم تزخر بارتياد ربع سكانها يوميا المدارس و المعاهد و المراكز التكوين و الجامعات.

 

و هذا حتى في الضائقة المالية التي ألمت بها جراء الانخفاض الفادح لأسعار النفط في السوق العالمية.

 

و لقد حان الوقت اليوم، أكثر من أي مرحلة مضت، لكي يتجند شبابنا عامة ونخبتنا خاصة لكي يكون في مقدمة الصف في معركة بناء اقتصاد وطني متحرر من التبعية المفرطة للمحروقات و لكي نضمن اطراد مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية الذي قطع مشوارا معتبرا لحد الآن.

 

فأناشدكم، يا أبناء و بنات الجزائر أن تتدبروا في هبة أسلافكم للنهوض بالثورة التحريرية المظفرة و تعقدوا العزم على رفع هذا التحدي خدمة لمستقبلكم، و خدمة لازدهار شعبكم، وحفاظا على استقلال وطنكم، استقلال يتعزز ويصان باستقلال بلادنا ماليا و اقتصاديا، وبقدرة الجزائر على مغالبة المنافسة العالمية التي لا ترحم وتبوء مكانتها المشروعة في ركب الدول، مكانة تكون في مستوى قدراتها المادية والاقتصادية والبشرية خاصة.

 

ختاما، و على أمل قوي أن تكونوا و تظلوا أحسن خلف لأحسن سلف، أهنئكم، أيتها الطالبات أيها الطلبة، بعيدكم الوطني هذا، متمنيا لكم مستقبلا زاهرا في كنف جزائر آمنة عزيزة بكم و بجميل ما تناله على أيديكم من مجد و سؤدد.