خطاب رئيس الـجمهورية بـمناسبة إحياء اليوم العالـمي للمرأة

الـجزائر ، 08 مارس 2006

باسم الله الرحمان الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الـمرسلين

وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين

أخواتي الغزيزات،

بني وطني الأعزاء،

مثلما هو الـحال كل عام، في يوم الثامن من شهر مارس هذا، نغتـنم اليوم العالـمي للـمرأة فرصة لقياس الأشواط التي قطعها مسار ترقية الـمرأة عبر العالـم.

فاليوم هذا هو، فـيما يخص الشعب الـجزائري ، أولا و قبل كل شيء، مناسبة لتـجديد تضامنه مع كافة الشعوب التي لا تزال تكافح ، بنسائها و رجالها ، من أجل الـحرية والاستقلال و السلـم.

و من ثمة، أخص بالتحية ، في هذا اليوم، الشعب الفلسطيـني الذي لا يزال يدفع ثمنا باهـظا ذودا عن حقوقه الـمشروعة و الثابتة ومن أجل تكريس حقه في تـقرير خياراته ومصيره بكل حرية.

إنني أنوه و أشيد بالـمرأة الفلسطيـنية الـجديرة بالإعجاب و الإكبار على ذلكم الدرس ، في الشجاعة و الإستماتة من أجل الوطن و في الأنفة و عزة النفس ، الذي تسديه لسائر العالـم ، و على البرهان الساطع الذي تقيـمه كل يوم على أن الـمرأة تتبوأ، في الـحضارة العربية الإسلامية، التي تتعرض اليوم لـما تتعرض له من الهجـومات و التطاول، مكانتها كاملة إلى جانب الرجل ، و أنها تساهم على الوجه الأوفى في الكفاح والتضحيات الـمفروضيـن على شعبها.

و الـمرأة الصحراوية ، هي الأخرى ، تستحق منا كل الإحترام ليس على سهمها الفعلي في كفاح الشعب الصحراوي فحسب ، بل و كذلك على الدور الذي تضطلع به في مخيمات اللاجئيـن و تلك الرعاية الـحانية التي تلقاها لديها الأسر النازحة حتف أنفها عن وطنها . و أما دور الـمرأة الصحراوية ضمن جبهة البوليساريو فإنه دور جدير بالثناء والإكبار يبرهن على أن الـمرأة إستطاعت ، في الصحراء الغربية أيضا ، أن تـحتل مكانتها و تثبت أنها قادرة على مضاهاة رفاقها في الشجاعة و حسن البلاء . 

و أما عندنا، في الـجزائر، فإن الاحتفال بيوم الـمرأة يشكل مناسبة للترحم ، بكل إجلال و خشوع ، على أرواح أخواتـنا اللائي لـم يتوانيـن، على امتداد ما يربو عن القرن من مكابدة الإستدمار و جبروته وغــطرسته ، و طوال ثورتـنا التـحريرية الـمباركة، عن تقديـم مُهَـجِهِن فداء للوطن، إلى جانب أبائهن و أمهاتهن و أزواجهن وإخوانهن وأخواتهن و أبنائهن و بناتهن.

إننا نريد اليوم تـجديد عرفاننا لـمجاهداتـنا و مسبلاتـنا و مناضلاتـنا ، ولـملاييـن النساء الـجزائريات اللائي، ساهمن، إلى جانب ملاييـن الـجزائرييـن، في إعادة إعمار الـجزائر الـمستقلة و شاركن في إنقاذها إبان الـمأساة الوطنية.

و حق لنا أن نذكر بكل فخر، في يوم الـمرأة العالـمي هذا، بأن حقوق الـمرأة الـجزائرية، في الـجزائر الـمحررة، كرست بـمجرد ما بزغ فـجر الاستقلال.

فبيـنـما تعيـن على النساء، في العديد من البلدان، الانتظار حقبا من الزمن قبل افتكاك الـمساواة في الـمواطنة، تـم في الـجزائر الاعتراف للـجزائريات بهذا الـحق اعتبارا من انتـخابات 1962. و لئن كان التساوي في الأجور بيـن العاملات و العمال في العديد من البلدان الـمتطورة، لا يزال ، إلى يومنا هذا، غاية منشودة، فإنه أضحى في الـجزائر حقا مكتسبا حال استعادة سيادتـنا الوطنية.

هذا، و إذا كانت الـمجموعة الدولية، إلى يومنا هذا، تسعى لضمان الـمساواة للبنات في التـمدرس، فإن الـجزائر تسجل بكل فـخر أنه، من بيـن أكثر من سبعة ملاييـن من أبنائها الذيـن يترددون يوميا إلى الـمدارس ، هنـاك ما يقارب 50 % من البنات، و أن هــؤلاء يشكلن 59 % من تعداد الـمتـمدرسيـن في الطور الثـــانـوي. و إن نسـبـة البنــات تبلــغ 58 % من الـ 800.000 طالب في بلادنا ، بيـنـما تشكل النساء 34 % من عدد أساتذة التأطير الـجامعي.

و على الصعيد التشريعي، وَضَعت مراجعة قانون الأسرة وقانون الـجنسية، منذ مدة قصيرة، الـجزائرَ في مصف أكثر الأمـم تقدما، علـما أن شعبنا متـمسك ، و سيظل متـمسكا تـمام التمسك، بقيـمه الـحضارية التي لا تـحول و لا تزول و لا أخذ فيها و لا رد.

يدل هذا البعض القليل من الـحقائق على أن الـجزائر ليست في حاجة إلى درس من أي أحد فيـما يخـص مكانة الـمرأة في الـمجتـمع الـجزائري.

إنها حقائق لا بد لنا من التذكير بها حتى عندنا كي يتسنى لكل واحد أن يُقدِّر الأشواط التي قطعناها منذ أن انعتق شعبنا من ضيم الـمحتل الأجنبي و سيطرتــه وتـحرر مـما كان عليه من الـجهل و التعاسة إبان العهد الاستدماري.

على النساء الـجزائريات أن يتشبعن بذلك الـماضي و بتلك الإنـجازات كي يتـجندن أكثر اليوم، إلى جانب الرجال، للـمشاركة في الـتجدد و النهوض الوطني، و في بناء جزائر العزة و الكرامة و السؤدد، عرفانا لشهدائنا، و تأميـنا لـمستقبل يسوده السلـم و الازدهار لأجيالنا الآتية.

إن وطننا يـنتظر، أكثر من أي وقت مضى، الكثير من أبنائه، حتى يتـسنى تدارك تأخرنا و تصحيح أخطائنا ، و حتى يتأتى لكل واحدة و لكل واحد، في كنـف السلـم الـمستعاد والأمل الذي عاد غامرا ، تقديـم إسهامه في مسعى إعادة الإعمار الوطني مع ما فيه من تـحديات عديدة و معقدة.

أخواتي الغزيزات،

بني وطني الأعزاء،

بودي أن أحدثكم ، بدءا ، عن الدور الذي أريد للـمرأة الـجزائرية أن تضطلع به في مسار الـمصالـحة الوطنية.

لقد زكى الشعب الـجزائري ، يوم 29 سبتـمبر الفارط ، عن بكرة أبيه ، الـميثاق من أجل السلـم و الـمصالـحة الوطنية. و عملا بالتوكيل الذي أولتـني إياه الأمة صاحبة السيادة ، أصدرت ، قبل أيام معدودات ، مراسيـم لتـنفيذ هذا الاختيار الاستراتيجي الوطني بحذافيره . آن ، إذن ، الأوان ، بالنسبة للأمة جمعاء ، كي تقبل بكل نشاط على تـجسيد مبادئ هذا الـميثاق بـما يؤمِّن تصالـح الـجزائرييـن و الـجزائريات مع أنفسهم و مع وطنهم.

و لا يـنبغي لأحد أن يشك في أن هذا الـمسعى يتطلب طول النفس ، ذلك أن الـمأساة الوطنية تركت جراحا عميقة غائرة في جسم و ضمير كل جزائـرية وكل جزائري.

لقد عاد السلـم و الأمن إلى بلادنا. وسيتـم استكمالهما بفضل الإجراءات التي أصدرناها ، و إنـما كذلك بفضل عزم الدولة ، بـما هي عليه اليوم ، أكثر من أي وقت مضى، من القوة و الـمهابة، على سحق و دحر كل من يتمادى في بغيه على شعبه و تـجنيه على وطنه ، بكل قساوة القانون.

هذا، و إذا كنا قد قطعنا جل أشواط الطريق الـمؤدي إلى استعادة الأمن و السلـم ، فإن الـمصالـحة الوطنية هي ورشة فتـحناها منذ عهد ليس ببعيد ، بعد أن وفقنا ، و لله الـحمد والثناء ، في إعادة الوئام الـمدني.

إن هذا العمل الـجليل يستوقف ذاكرة الـجزائرييـن والـجزائريات كافة و ضميرهم ووجدانهم . ففي أنفسنا سنـجد الردود الـمرجوة لوقاية الـجزائر من شرور الـبغضاء والشنآن . و مرة أخرى ، يكون لـحرائر الـجزائر و بناتها، في هذا الـمسعى النبيل ، الكثير مـما يقدمنه لوطنهن وللأجيال الصاعدة .

حقا، إن لـمؤسسات الدولة مهمة جُلَّى يـنبغي أن تضطلع بها ، و ستضطلع بها على أتـم وجه و كاملة غير منقوصة، لتضميد الـجراح و نبذ كل أشكال الإقصاء و وقاية الـجزائر من أي زيغ أو انزلاق جديد . لكن ، من الـمؤكد أن جوهر الـحلول الـمرجوة موجود في أيدي الـمواطنيـن أنفسهم، وخاصة في أيدي الـمواطنات اللواتي دفعن ، خلال الـمأساة الوطنية ، أبهظ الأثمان بـما تكبدناه من الأثكال و الأرزاء في الأهل والأعزاء و بـما ذرفنه من دموع فوق الكفاية.

هذا ما يسوّغ لي أن أهيب ، بجاه الاسلام و بجاه الـجزائر وطننا الذي لا وطن لنا غيره ، بحرائر الـجزائر و بأمتها جمعاء، أن يتجندن و يُرَقيـن فضائل إصلاح ذات البيـن والصلح الـجميل و الإخاء ، لتضميد جراحنــا والـخروج من الأنقاض والـخراب . إن الاختيار الوطني ، هذا الـمزكى من قبل شعبنا قبل أشهر معدودات، يجب أن يتجسد ، في الـمقام الأول داخل الأسر ، في الـمدن وأحيائها و في الأرياف و قراها.

إنني أناشد النساء الـجزائريات أن يحتضن أيتامنا ، كل أيتام الـمأساة الوطنية ، ويحطنهم بحنانهن و حدبهن ويـنشئنهم على قيـم ديـننا الـحنيف و ثقافة الصفح، بـما يضع بلادنا في منأى عن بذور الـضغيـنة الـمهلكة.

إني أحض النساء الـجزائريات، في الأخير، على الإضطلاع بدورهن على أتـم وجه ، و هو دور بالغ الأهمية في تربية أطفالنا و في استرجاع قيـمنا الاجتـماعية و الـمدنية.

إننا نعيش اليوم زمنا تفشت فيه آفات اجتـماعية جديدة في أوساط مجتـمعنا ، سواء أتعلق الأمر بالـمخدرات أم بالانـحرافات الـمخلة بأخلاقنا أو بالفوضى أو اللصوصية وحتى الـجرائم الفظيعة . ذلكم هو ، من دون شك ، واحد من الآثار الـمأساوية الناجمة عن الـمأساة الوطنية التي كابدتها بلادنا . كما أنه الثمرة الفجة الـمرة لفقد مجتمعنا ما كان متعارفا عليه من معالـم ، و للواقع الـمفعـم بالفواجع الناضح بالدماء الذي ترعرع فيه أطفالنا طيلة ما يزيد عـن عقد من الزمن ، للنزوح و التشرد اللذيـن اضطرت إليهما مكرهة مئات الآلاف من الأسر الـجزائرية .

ليس هناك أدنى شك في أن إنعاش اقتصادنا سيسهم بقوة في اجتثاث أسباب الإحباط و القنوط ، و أن الدولة التي تتعزز أركانها كل يوم أكثر فأكثر ، ستسهر على فرض احترام القانون على الـجميع و لفائدة الـجميع ، و أن منظومتـنا التربوية التي يـنبغي لها أن تضطلع بدور هام في تصحيح هذا الوضع ، ستكون مسلـحة على نـحو أفضل للقيام بهذا الدور بفضل ما أدخلناه عليها من إصلاحات.

لكن بالـمصالـحة الوطنية ، مصالـحة الـجزائرييـن والـجزائريات مع أنفسهم و مع وطنهم ، من خلال احترام الشأن العـام ، وقيـم و خصال مجتـمع مطمئن يعيد الاعتبار لـحضارته ، يـمكننا سويا أن نسترجع السكيـنة و الدعة إلى أحيائنا و إلى بلادنا.

هناك بلدان أخرى عرفت فـِتـنـا مـماثلة لـما عشناه نـحن ، وعرفت كيف تتـجاوزها بفضل شجاعة شعوبها و انضباطها. و الـجزائر قادرة، هي الأخرى، على تـجاوز ما خلفته الـمأساة الوطنية من آثار ، شريطة أن نتـجند جميعا - نساءا و رجالا - في هبة واحدة في كنف ما يـمليه الواجب الوطني.

و في هذا الـمسعى ، تتبوأ الـخلية العائلية مكانة فريدة و استثنائية بـكل ما فيها من أسوة حسنة لتلقيـن أبنائنا فضائل وقيـم ثقافتـنا العريقة و هويتـنا الوطنية ، و لإعادة الاعتبار لروح الـمواطنة في ذهنيتهم و سلوكهم.

أخواتي الغزيزات،

بني وطني الأعزاء،

لقد كتب عليكم أن تضطلعوا بدور عظيـم في عملية التـنـمية الوطنية الضخمة التي نـحن مجندون جميعا من أجلها ، و ليس في نعتها بالضخمة مبالغة البتة، بالنظر لـما باشرناه من أجل استدراك تأخرنا و من أجل بناء الـمستقبل ، مستقبل شبيبتـنا.

لقد تـناولت هذا الـموضوع مطولا، قبل أيام قليلة، أمام عاملاتـنا و عمالنا الذيـن أجدد لهم التحية في هذا الـمقام . و إذ أعود بإيجاز لهذا الـموضوع، من أعلى هذا الـمنبر، فذلك لتـمكيـن كل واحدة و كل واحد منكم بأن يكون أكثر إلـماما برهانات هذه الـمعركة العظمى.

قلت إن عملية التـنـمية هذه ورشة ضخمة بل عملاقة ، و ليس هناك في الواقع أي نعت آخر أليق من هذا النعت لـما برمجناه و لـما سنـنـجزه ، بإذن الله و عونه ، في بحر هذه العشرية الـمـمتدة من 1999 إلى 2009.

لقد قررنا ، خلال هذه الفترة، تـخصيص مبلغ إجمالي يقارب 8000 مليار ديـنار ، أي ما يزيد عن 100 مليار دولار للنفقات العمومية الاستثمارية .

و حتى أبيّـن ما يـمثله هذا الرقم ، يـمكنني أن أذكر بأنه، عند نهاية الفترة الـمذكورة سيتـم الفراغ من بناء ما يقارب مليوني سكن و فتـح أزيد من 2000 مدرسة ، و800 ثانوية و أزيد من 3000 مطعم مدرسي ومؤسسة نصف داخلية وقرابة 800 مؤسسة داخلية .

كما سيتـم توفير 200.000 مقعد بيداغوجي وأزيد من 500.000 موقع إيواء على مستوى جامعاتـنا ، و أخيرا تـحسيـن صحة الساكنة بفتـح قرابة 60 مستشفى و 140  عيادة متعددة الاختصاصات و حوالي 1000 قاعة علاج.

في نفس الوقت ، يحق لنا أن ننـتـظر إطراد نكوص البطالة التي طالـما نـخرت مجتـمعنا ، من حيث أنها ما فتئت تتزايد ابتداء من الثمانيـنيات . فالبطالة التي كانت نسبتها تربـو عن 30 % في بداية 1999، تراجعت إلى ما يقارب 15% السنة الـماضية . و بعون الله، سنـجعلها تـنـخفض إلى 10 % عند حلول 2009.

غير أنه إذا أردنا أن نضمن لبلادنا تـنـمية مستدامة تعود بالـخير على أجيالنا الصاعدة ، فإنه لا يـنبغي لنا أن نكتفي بتلبية احتياجاتـنا الآنية العاجلة ، بل يـنبغي لنا ، على الدوام ، أن نستـحضر تلك التـجربة التي تـمتعت بلادنا خلالها طيلة عقديـن بالتطور و بالرخاء قبل أن تتردى في ذلكم النكوص الـوخيم الذي أخذنا ، اليوم فقط ، نـخرج منه.

إن تـحقيق تـنـمية اقتصادية و إجتـماعية قابلة للإستمرار والدوام يقتضي منا كذلك أن نتسلح و نعد العدة لـمواجهة رهانات العولـمة و الـمنافسة . و يعني كذلك إنـجاز الإصلاحات الضرورية ، خاصة منها إصلاح ذهنياتـنا الذي لا مناص منه ، كما يعني إعادة تأهيل الـجهد والفضل و الإمتياز في البذل والعطاء و الـمثابرة بكل جوانبها النبيلة، وفضائل الـحكمة و حس الـمواطنة الذي يتـجلى في مـمارسة الـحقوق وكذا في الوفاء بالواجبات من قبل كل مواطنة و كل مواطن دون استثناء.

يليق بنا أن يبعثنا، ما حققناه من الـخطوات، على الـمزيد من التـجند من أجل بناء جزائر تستـجيب لتطلعات الـجزائريات والـجزائرييـن كافة.

لذا، أهيب بالنساء الـجزائريات أن يدليـن بدلوهن في هذا الـمسعى و يتوليـن تـنشئة ناشئتـنا و فتياتـنا و فتيانـنا على قيـمنا وشيمنا الوطنية، بغية إعدادهم لتـحمل مسؤولية تأميـن مكانة الـجزائر و مرتبتها في عالـمنا الـمعاصر.

أود، و أنا أتـحدث عن الوطن و عن محيطه العالـمي، أن أتـناول ، في نهاية الـمطاف موضوعا يشغلني كثيرا و يغذي أخوف مخاوفي ، موضوعا أشعر أحيانا أن أبناء وطني لا يفهمون بـما فيه الكفاية ما أقصد به ، أعني بذلك صون شخصيتـنا وهويتـنا الوطنيتيـن.

أخواتي الغزيزات،

بني وطني الأعزاء،

طيلة 132 سنة من الاحتلال و السيطرة ، جردنا الاستدمار من الكثير من أعز مَضَانِنا ومن أنفس ما كنا نـملكه ، حريتـنا وحقوقنا و أرضنا الـمعطاء الطيبة . لكن ، و في حيـن كان يـنكر حتى مجرد وجودنا كشعب وكدولة معترف بها و محترمة قبل الاحتلال، إن ذلكم الإستدمار لـم يَقْوَ على تـجريدنا من شخصيتـنا ، التي وجدت ملاذا لها في ذاكرة شعبنا ، و خصوصا في تلك التـنشئة التي نشأتـنا عليها أمهاتـنا. غير أن الاستدمار لغَّم، من خلال تصرف أريد به الإجهاز عليـنا و إبادتـنا، هويتـنا بالنيل من لغتـنا و ديـننا و ثقافتـنا و تاريخنا على حد سواء ، بالتشويه و التحريف و التهجيـن والتزييف و الـمسخ و التغريب.

لكننا، و يا للأسف ، ها نـحن نتعرض اليوم، من جراء التقهقر الذي منيـنا به بفعل الأزمة و الـمأساة الوطنيتيـن ، لتهديد جديد و لربـما أكثر خبثـا و أكثر مغبة و خطرا على شخصيتـنا و هويتـنا الوطنيتيـن.

قد يجد البعض أن حديثي هذا فيه شيء من الـمبالغة ، لكنني أدعوهم إلى التأمل في الـحقائق التي يعكسها محيطنا الـمباشر ، التأمل الذي يـنبغي أن تكون لنا الشجاعة الكافية لـمباشرته مع ما يجب من احترام لشعبنا و لكل واحد من مواطنيـنا.

و يكفي، لذلك، أن نـمعن النـظر في سماجة الرطانة التي نتخاطب بها في تعاملاتـنا اليومية و التي يصعب أحيانا أن نـجد فيها لغتـنا الوطنية أو حتى لهجتـنا الدارجة الراقية الأصيلة.

لنتأمل كذلك تلك الهشاشة التي تـشوب الشخصية الوطنية و التي تـجعلها طَيِّعة تخفض جناح الذل لكافة التأثيرات الـخارجية الشرقية منها و الغربية على حد سواء ، إلى درجة جعلتـنا نتـخلى تدريجيا عن أزيائنا و ملبوساتـنا التقليدية البهية الـجميلة، و ننسلخ عن عادات مجتمعنا، وأدت ببعض الـمواطنيـن حتى إلى تغيير طريقة نطقهم و كلامهم.

و لنتأمل في الأخير ذلكم الـجهل بتاريخنا الوطني الذي يجعل أطفالنا، القادريـن غالبا على اسـتــظــهــار تـاريخ غيرنا من الشعوب، لا يعرفون لا أبرز محطات ماضيـنا و لا أنصع صفحات ثورة أول نوفمبر 1954 الـمجيدة.

فلا غرابة إذن أن نـجد أناسا يؤكدون أن الـحقبة الاستدمارية ربـما كانت أفضل من عهد الاستقلال و السيادة الوطنية التي يتـمتعون بنعمتها اليوم. و لا غرابة كذلك في أن نـجد بعض شبابنا من الذيـن أخفقنا في تعريفهم بـمآثر ثقافتـنا الوطنيــة وتلقيـنهم حب وطنهم ، مولعيـن بالاغتراب والهجرة هروبا مـما يلاقونه من مصاعب في بلادهم . و لا غرابة كذلك أن نرى بعـض حملة الغيظ الدفيـن و الـحفيظة الـمتأججة من أولئك الذيـن حرموا نعمة الاستمرار في إحتلال بلادنا والتسلط على رقابنا، يتـجرأون اليوم و يزعمون، بكل قِـحَة وبجاحة، أنه حصل للاستدمار، الذي حرمنا من حريتـنا و استغل شعبنا و نهب ثرواتـنا، أن كان فيه نفع لـمن رزحوا تـحت وطأته التي لا رأفة فيها و لا رحمة.

إن البعض يعتقد أن الـمسخ الثقـافي وفسخ الشخصية الزاحفيـن لا يتـجليان إلا في بعض الأوساط في الـمدن ، في حيـن تظل أعماق الـجزائر في مأمن منهما . يبدو لي من الـمقلق كذلك أن يكون شعبنا صاحب الثقافة العريقة ، ضحية مثل هذا الانزلاق . أفيـنبغي أن ننتظر حتى يصبح الداء عُـقَاما و يعم كل مكان، لنتصدى له ؟

إن نـخبتـنا إنغمست ، و يا للأسف، و إلى حد بعيد، في نقاشات عقائدية، مبتعدة بذلك عن الإنشغال الأول الذي يـنبغي أن يكون ويظل صون إنتمائنا إلى الـجزائر و هويتـنا وشخصيتـنا الوطنية الـمبنية على الإسلام والعروبة و الأمازيغية و إنـما الـمكونة كذلك من تاريخنا و ثقافتـنا . و عليه، فإنه من العاجل أن يهب مجتـمعنا برمته لتدارك الأمر، مع إسناد دور حيوي للـمرأة الـجزائرية .

لقد عرفت الـمرأة الـجزائريــة واستطاعت، و هي تئن تـحت نير الاستدمار بالأمس، أن تـحافظ على هويتــنـا وشخصيتـنا الوطنيتيـن ؛ و يـنبغي لها اليوم أن تدرك تـمام الإدراك الـخطر الفعلي الذي يهدد من جــديد هويتـنا و شخصيتـنا . إنها قادرة على الـمشاركة في درء هذا الـخطر من خلال الاضطلاع بدورها كأم و كمربية وكذلك بـما لها من نفوذ في مجتـمعنا.

لن يكتب الدوام للـمصالـحة الوطنية ما لـم نحرص كل الـحرص على وسمها بـميسم هويتـنا و شخصيتـنا الوطنيتيـن . إن البناء الوطني الذي نسعى جاهديـن من أجله سيكون بدوره عبثا إن بنيـنا بلدا مزدهرا لنتركه عرضة للتأثيرات الأجنبية و الأشكال الـجديدة من التبعية و الهيـمنة.

إن الاستقلال و السيادة الوطنيتيـن اللذيـن يذود عنهما الشعب الـجزائري بكل غيرة سيفرغان غدا من مدلولهما إذا ما جرد وجداننا و إنتماؤنا إلى الـجزائر من الأصالة، و إذا ما فقدنا، مع مر الزمن، هويتـنا وشخصيتـنا الوطنيتيـن.

لذا، أهيب بكافة الـجزائرييـن أن يهبوا، قبل فوات الأوان، و أدعو مؤسسات البلاد كافة ، وبوجه خاص منظومتـنا التربوية و أجهزتـنا الإعلامية و سائر مفكــريـنا و زوايانـا والفاعليـن الاجتـماعييـن، أن يلقوا بثقلهم كاملا في هذا الـمسعى في سبيل بعث هويـتنـا و شخصيتـنا الوطنـيتـيـن و حمايتهما و ازدهارهما.

ذلكم ما يجعلني أدعو بشكل خاص النساء الـجزائريات إلى التـجند مرة أخرى، أسوة بسابقاتهن ، من أجل هذه القضية الأساسية لكي نكون جميعا فخوريـن بهذا التواصل الذي يـميزنا و يوحدنا و يجعل منا شعبا أمازيغيا في جذوره، منصهرا في بوتقة العروبة بفعل الإسلام، شعبا تواقا إلى الـحداثة لكنه كذلك، وبالأخص، شعب يتـمسك بـماضيه و قيـمه، شعب غيور على استقلاله ضنيـن بوديعة أولئك الرجال و النساء البررة الذيـن استرجعوا سيادتـنا و أولئك الذيـن إفتدوا كرامتـنا بدمائهم الزكية الطاهرة.

الـمجد لهم و الـخلود !

عاشت الـجزائر !

أشكركم على كرم الإصغاء.

والسلام عليكم و رحمة الله و بركاته.